شوارعنا السرية تلك التي خبأناها عن أعين الناس واحتفظنا بها لأنفسنا، نخليها من الناس والمارة ونجعلها ملكيتنا الخاصة نصنع منها متنفساً لأغانينا، وضحكاتنا، ولعناتنا ودعواتنا، نسكب مشاعرنا على ارصفتها في سكون ليل الشتاء، شوارعنا تلك التي تعرف الكثير عن احلامنا..وتحفظ عن ظهر قلب أسرارنا، سمعتنا نحكيها كل ليلة في تسكعنا الشارد، فحفظتها ولم تبح بها لأحد، عرفت اسماء حبيباتنا ولم تحك لآبائهن، عرفت غضبنا من الأهل ولم تخبرهم ، عرفت هزائمنا ولم تعايرنا بها ، شوارعنا السرية سألتني عنك يا صديقي ...
قلت لها سافر .. حزنت كثيراً ودعت لك بالخير لكنها طلبت مني ألا آتي إليها مرة أخرى فهي لا تطيق المتسكعين الذين يأتون فرادى يمشون وحدهم صامتين حزانى في جنباتها الهادئة، فلم أطأها منذ مضيت أنت ..
مقهانا العجوز، ذلك الذي كنا نجلس في زاويته المنسية ، لا نعرف أحداً من رواده الذين يعرفون بعضهم البعض ولا يعرفنا أحد منهم، اطلب فيه القهوة وتطلب أنت الحلبة، نصمت فيه أكثر مما نتكلم، وفي الكلمات نعيد الإستماع لحكاياتنا المعادة بنفس حماس المرات الأولى ، ونعيد سرد النكات الوقحة نضحك لها كضحكاتنا أيام ما سمعناها أول مرة ، ثم نمضي مغادرين، نسأل كيف يعرف كل الناس في هذا المقهى بعضهم البعض ، ولا يعرفنا فيه أحد ...
حين ولجت وحيداً ذلك اليوم وجدتهم جميعاً ينظرون إلي .. والمقهى سألني .. كيف هو ..
حكيت حكايات كثيرة عنك ،.. وأطلت في الحكي.. وعندما انتهيت.. قال أنت تكذب .. لم تعد تعرف الكثير .. أصمت فالصمت أولى .. ومن ساعتها لم أجلس عليه .. أو على أي مقهى آخر .
رجل أعمى طلب من أن اقوده على الطريق ، سألني عنك .. قال لي صف لي صورته كيف يبدو، خشيت أن اتكلم فأقول إن ملامحك تغادر الذهن، تتبدل شيئاً فشيء ويوماً فيوم، والصورة التي تحملها كاميرا الكمبيوتر كاذبة تأتيني بصورة رجل لا أعرفه ، مشوهة ملامحه، تتقطع الصورة تصنع بدلاً من صاحبي مسخاً باهتاً،
طلبت أن يغير الموضوع ، فقال لي يا ولدي .. هذه هي الحياة .. الذين يغادرون يحزمون حقائب أحلامهم ذكرياتهم وآمالهم ، تلك التي ظننا أننا جزءً منا، فأفقنا ذات صباح على واقع .. أن احلامهم تصير غير احلامنا ، وآمالهم وذكرياتهم لم تعد بعد شطراً من حياتنا، .. يأخذون صورهم وأصواتهم واحضانهم الدافئة في الحقيبة يدلفون من بوابة صغيرة نقف نحن نودعهم اماممها، حيث لن يعودوا مرة أخرى، تغير الحياة الأشكال ويغير تبدل الطرق النفوس، وفي العودة إن عادوا ..يعودون أناساً غير الذين سافروا...، تبدلهم الأيام ..يصيرون آخرون يهابوننا ونهابهم، وينبني بيننا وبينهم ألف سد.. يسافر صاحبك، ويعود آخر غيره يكتسي شيئاً من ملامحه، تقضيان بعض الأوقات سوياً يجبركما على ذلك عبء الوفاءً للذي سافر ولم يعد، يحاول هو فاشلاً بجدارة أن يتقمص دور صديقك القديم، فيفشل ثم يمضي مرة أخرى زائحاً عنك وعنه عبء الوفاء للذكريات..
ترك الأعمى يدي ومضى في الطريق وحده ..
شتاء الأسكندرية استيقظ من نومه بالأمس.. وسألني عنك .. غضب للغاية حين أجبته أنك غادرت .. لعنك وقال في حقك سباباً بذيئاً كثيراً ، قال إن العشرة لم تتمر فيك ...استغللت ثباته العميق وهربت منه، نسيت البرق في العاصفة ترقبه بعيداً يقترب فوق شاطئ البحر، والرعد يهز شباك غرفتك يوقظك طفلاً خائفاً ترتمي في حضن أمك، ويوقظك شاباً حزينا تستيقظ على الحلم الذي لم يكتمل .. تتدثر فيه بالدولاب كاملاً تحت طاقمك الشتوي الوحيد، تشرب الحلبة الساخنة على المقهى، وتمضي لمنزلك في الليل الساكن سكون ما قبل "النوة"، يلطخك طين الشوارع، وتحاول بائساً أن تتفادى سقوط عجلات السيارات في برك الوحل بالقرب منك، يقول لك يا "واطي " تركت هذا كله وسافرت؟؟!!
الشوارع السرية ، وفتيات الفتارين ، ومقهانا العجوز، والرجل الأعمى ، وشتاء الأسكندرية ، سألوني عنك فقلت لهم إنك بخير ..لكنك سافرت






.jpg)


