رغم سنوات مرت على رحيله إلا أن رائحته لم تزل نافذة قوية، لم ترحل معه، تبقى طويلاً تهاجمني في مرات صعودي إلى سطح بيتنا.
في تلك الأمسيات الطويلة الحزينة، تلك التي يجافيني فيها النوم، يهجرني فيها لوحشتي واكتئابي، اصعد إلى سطح بيتنا، اطلق زفرات الضيق اطردها حارة عنيفة استبدلها بنسيم الليل البارد، ساعتها لم يكن يتركني لحالي، كان يجيئني مصراً على بقائه ضيفاً ثقيلاً كما ظل طوال حياته.
هو .. لا شك اعرفه من صوته العالي، وضحكته المجلجلة، وابتسامته التي هي نصف وجهه، يأتيني بصخبه وضجيجه لا يراعي الجيران في الوقت المتأخر من الليل.
-أنت يا واد... مكشر كده ليه ؟؟ هي النسوان خلصت من الدنيا ولا ايه ؟؟ مش لسه فيها نسوان يبقى خلاص ملعون ابوها ما تستاهلش نكشر فيها، عارف لو بقت كلها رجالة .. ساعتها بس لازم تكشر، ولعلمك بقى اللي بيكشر ده يبقى مالهوش في النسوان، وراجل نص كم ..
يعجبه المنطق الذي اخترعه لتوه فيغرق في الضحك، يطلق ضحكاته مجلجلة في سكون الليل، فيما اتجاهله كما كنت اتجاهله حياً، ادير وجهي عنه، ويصر هو على اكمال حديثه بغض النظر عن استماعي أو عدمه، يثق في قدرته المدهشة على الحكي وجذب أذن السامع، وفي براعته على البقاء في كل الأحوال.
-حقولك نكتة .. مرة واحد اعمى دخل صيدلية ومادد ايديه كده قدامه وعمال يحسس ، خبط في البت اللي واقفة في الصيدلية .. قالها إلا قولي لي يا بنتي .. هوا مفيش قطرة ؟؟ ، قالت له أطرى من كده مفيش .
نكتته الوقحة الأبدية كأنها الوحيدة التي يحفظها، يعيد إلقائها على مسامعي حياً وميتاً، وفي كل مرة أصر على الصمت ولا أبدي رد فعل ، فيما ينطلق هو في نوبة ضحك هيستيري ينهيه بلهاث متلاحق يحاول التقاط أنفاسه فيه ، ولايهتم كثيراً كون النكتة اضحكتني أم لا ..
ألتفت ناحيته .. أهذا عم " رشيد " حقاً ؟؟ ، أهذا صوته .. وهل هذه ضحكاته .. اوكان هنا حقاً ؟؟ التفت فلا أجد سوى فراغ السطح، لكن الرائحة المقيتة تبقى تهاجمني وكأنها حقيقة، تذكرني به وتفرض علي الأحساس بالذنب وتزيد كومة الأحباط داخلي.
القفل الصدئ على باب غرفته ينهي كل الإحتمالات المنتهية أصلا ، " عم رشيد " بالقطع لن يكون موجوداً في غرفته يشرب الخمر ويتابع التلفاز ، يصنع برنامجه الخاص بتعليقاته الوقحة التي يستطيع نسجها من كل ما يدور في التلفاز أمامه، كل الأشياء قابلة لأن تتحول إلى بذاءات مضحكة، كل الأفلام والمسلسلات ونشرات الأخبار، حتى مباريات الكرة، كلها تصير عنده أموراً وقحة وبذيئة ومضحكة، ينسجها هو ، ويلقيها على مسامع نفسه ،فتثير اعجباه للغاية وتضحكه حد البكاء ،
انظر نحو الغرفة ، الهدوء مقيت، والتلفاز حتماً ليس مفتوحاً، ورشيد ليس هنا.
رغم السنين التي مرت ظل موته امراً عصياً على التحول لحقيقة كاملة بالنسبة لي، وظل شبح ذكراه يهاجمني طويلاً وكأنما هو حي حقاً لم يزل بيننا، وهل يموت الذي عاش الحياة وكأنها حالة نشوة فرح ابدية ؟!! تخرق امي اسماعي حين تستبدل لقبه الذي اطلقته عليه لسنين طويلة بلقب آخر جديد.
كان يوماً بعيداً ، دق بابنا ففتح ابي له، وقف قبالة الباب بجسده الضخم، وباغت أبي بسؤاله:
-تيجي نشترك يا حاج العيد ده ونجيب أضحية سوا .. خروف استرالي ؟؟! . بالنص ..
لم ينتظر الرد واستطرد :
-لعلمك الخروف الأسترالي أحلى خروف .. هوا شكله عبيط آه .. بس احلى لحم .. ما يغركش اللي انا فيه .. انا الزمن بس لعب بيا .. انا قعدت في استراليا سبع سنين ، وبعدين انا عندي بقى تتبيلة اتعلمتها في استراليا .. ما احكيلكش .. انت مش حتفهم في الكلام ده .. فين المدام ؟؟ .. يا مدام ..؟؟!
يسد أبي الباب بجسده ، يأبى التحرك كي لا يدخله البيت، وتختبئ أمي في "الطرقة" القريبة ولا تجيبه، لكنه لاييأس، يستطرد يشرح لأبي طريقة تتبيل فخذة الخروف، ويختم الحديث مع أبي على أن يعود مرة أخرى كي يتفق معه على تفاصيل شراء الخروف، لا يعقب أبي كثيراً يكتفي بضحكة باهتة وصمت، وحين يغلق أبي الباب وتخرج أمي من مخبأها ، تقول في ضيق:
-استراليا ايه .. هوا اللي عاش في استراليا حييجي يقعد في اودة فوق سطوح في حتة معفنة زي حتتنا دي ؟ ، ما تدهوش ودنك يا حاج .. ده راجل وسخ.
لن يعود رشيد مرة أخرى ليتفق على تفاصيل شراء الخروف، ولن يكف أبي عن إعطائه أذنه برضاً أو رغماً عنه، وستظل أمي تنعته برشيد "الوسخ" حتى يموت، فتستبدل ساعتها الوسخ بالمرحوم ، تخرق أذني بها لتفاجئني أنه مات حقاً.
عصام في الحجرة الأخرى على السطح ، يجلس وحيداً يفتح الباب لنسيم الليل ، ويعب من زجاجة الخمر وحيده بلا رفاق ... وبلا رشيد .
حين كان عصام طفلاً، كان كابوساً مرعباً لنا اطفال الشارع الآخرين، طفل مولع بالأذى بطريقة مدهشة، مبتكراً في فنونه وصنوفه ، يجيد كل أنواعه ، يفرغ أطارات السيارات ، يشعل النيران في أكوام القمامة، يقذف المارة بالحجارة، ولا يتوانى عن ضرب أحدنا لأتفه الأسباب، ويتحاشاه الكبير قبل الصغير.
رشيد فقط هو من أستطاع أن يأخذه في صفه ، بطريقة ما اقتنع عصام أن رشيد ضابط، ووعده رشيد إن كف عن افعاله هذه سيجعله جندياً معه، اتت خطة رشيد بفعل السحر على عصام، انتقل في وقت قليل من صفوف الحرامية إلى صفوف العسكر، ورشيد يمعن في تمثيل الدور عليه، حين يمر عليه في الطريق فيرمقه بنظرة جادة لا شائبة فيها، يصيح فيه " أنتباه يا عسكري " فيلقي عصام ما بيده ويقف منتبهاً يحاكي وقفة الجنود التي رآها في الأفلام، فيرمقه رشيد برضا مصطنع ثم ينصرف.
حين يكبر عصام ويصير شاباً سيأخذه رشيد معه ، لا ليصير جندياً ، لكن ليصير رفيقه في شرب الخمر في الليالي الصيفية فوق السطح، وسيستأجر عصام الغرفة الأخرى، اراقبهما أحياناً في تلك الأمسيات وحين يصيح عصام " آه يا راجل يا واطي .. وتقولي ظابط " فيضحكان عالياً ، أدرك أن نشوة السكر قد وصلت بهما مداها.
حين حكى لنا يوماً عن أصابته بالسكري، تجاهلنا ما قال عن اقوال الطبيب الذي اخبره أنه في مرحلة حرجة من المرض، وكأننا كنا نسمع منه نكتة فتاة الصيدلية، لكنه لم يشتك ولم يحزن، ظل على ضحكته العالية المجلجلة، فقط فوجئنا به يوماً يستند على كتف عصام ويدخل الشارع بقدم واحدة.
رغم السنين لازال وقع العكاز على درجات السلم يرن في أذني، وما زال ازيز الساق الصناعية الرديئة واضحاً لي ، يصيحان يا أولاد الكلب .. الرجل الذي احبكم بلا حدود، الرجل الذي ارادكم معه يمسح حزنكم ويصنع فرحكم فلفظتموه اصبح عاجزاً، ورغم السنين لم تزل صيحته المدوية حين يدركه تعب الصعود على السلم قوية ترج ابواب البيوت المغلقة التي لم تفتح له يصيحها عنيده بمَر الصبر..." آه يا زمن" ...فيرجف لها قلبي ويطول منها حزني.
لكننا أدرنا وجهنا لنداء العصا والساق، وتركناه للمرض يتلاعب به ويذيقه الويلات، فصار يغيب طويلاً وتباعدت مرات لقيانا، فقط ذكرتنا به رائحة الموت التي انبعثت من غرفته تخبرنا أنه مات، تلك الرائحة التي ظل الجيران اياماً طويلة بعد رحيله يحاولون التخلص منها، هي ذاتها التي تأتيني معه في تلك الأمسيات الحزينة، حين يعود مبتسماً ضاحكاً قائلاً لي .. " أنت يا واد مكشر كده ليه .."







