27 نوفمبر، 2009

عم رشيد

رغم سنوات مرت على رحيله إلا أن رائحته لم تزل نافذة قوية، لم ترحل معه، تبقى طويلاً تهاجمني في مرات صعودي إلى سطح بيتنا.

في تلك الأمسيات الطويلة الحزينة، تلك التي يجافيني فيها النوم، يهجرني فيها لوحشتي واكتئابي، اصعد إلى سطح بيتنا، اطلق زفرات الضيق اطردها حارة عنيفة استبدلها بنسيم الليل البارد، ساعتها لم يكن يتركني لحالي، كان يجيئني مصراً على بقائه ضيفاً ثقيلاً كما ظل طوال حياته.

هو .. لا شك اعرفه من صوته العالي، وضحكته المجلجلة، وابتسامته التي هي نصف وجهه، يأتيني بصخبه وضجيجه لا يراعي الجيران في الوقت المتأخر من الليل.

-أنت يا واد... مكشر كده ليه ؟؟ هي النسوان خلصت من الدنيا ولا ايه ؟؟ مش لسه فيها نسوان يبقى خلاص ملعون ابوها ما تستاهلش نكشر فيها، عارف لو بقت كلها رجالة .. ساعتها بس لازم تكشر، ولعلمك بقى اللي بيكشر ده يبقى مالهوش في النسوان، وراجل نص كم ..

يعجبه المنطق الذي اخترعه لتوه فيغرق في الضحك، يطلق ضحكاته مجلجلة في سكون الليل، فيما اتجاهله كما كنت اتجاهله حياً، ادير وجهي عنه، ويصر هو على اكمال حديثه بغض النظر عن استماعي أو عدمه، يثق في قدرته المدهشة على الحكي وجذب أذن السامع، وفي براعته على البقاء في كل الأحوال.

-حقولك نكتة .. مرة واحد اعمى دخل صيدلية ومادد ايديه كده قدامه وعمال يحسس ، خبط في البت اللي واقفة في الصيدلية .. قالها إلا قولي لي يا بنتي .. هوا مفيش قطرة ؟؟ ، قالت له أطرى من كده مفيش .

نكتته الوقحة الأبدية كأنها الوحيدة التي يحفظها، يعيد إلقائها على مسامعي حياً وميتاً، وفي كل مرة أصر على الصمت ولا أبدي رد فعل ، فيما ينطلق هو في نوبة ضحك هيستيري ينهيه بلهاث متلاحق يحاول التقاط أنفاسه فيه ، ولايهتم كثيراً كون النكتة اضحكتني أم لا ..

ألتفت ناحيته .. أهذا عم " رشيد " حقاً ؟؟ ، أهذا صوته .. وهل هذه ضحكاته .. اوكان هنا حقاً ؟؟ التفت فلا أجد سوى فراغ السطح، لكن الرائحة المقيتة تبقى تهاجمني وكأنها حقيقة، تذكرني به وتفرض علي الأحساس بالذنب وتزيد كومة الأحباط داخلي.

القفل الصدئ على باب غرفته ينهي كل الإحتمالات المنتهية أصلا ، " عم رشيد " بالقطع لن يكون موجوداً في غرفته يشرب الخمر ويتابع التلفاز ، يصنع برنامجه الخاص بتعليقاته الوقحة التي يستطيع نسجها من كل ما يدور في التلفاز أمامه، كل الأشياء قابلة لأن تتحول إلى بذاءات مضحكة، كل الأفلام والمسلسلات ونشرات الأخبار، حتى مباريات الكرة، كلها تصير عنده أموراً وقحة وبذيئة ومضحكة، ينسجها هو ، ويلقيها على مسامع نفسه ،فتثير اعجباه للغاية وتضحكه حد البكاء ،

انظر نحو الغرفة ، الهدوء مقيت، والتلفاز حتماً ليس مفتوحاً، ورشيد ليس هنا.

رغم السنين التي مرت ظل موته امراً عصياً على التحول لحقيقة كاملة بالنسبة لي، وظل شبح ذكراه يهاجمني طويلاً وكأنما هو حي حقاً لم يزل بيننا، وهل يموت الذي عاش الحياة وكأنها حالة نشوة فرح ابدية ؟!! تخرق امي اسماعي حين تستبدل لقبه الذي اطلقته عليه لسنين طويلة بلقب آخر جديد.

كان يوماً بعيداً ، دق بابنا ففتح ابي له، وقف قبالة الباب بجسده الضخم، وباغت أبي بسؤاله:

-تيجي نشترك يا حاج العيد ده ونجيب أضحية سوا .. خروف استرالي ؟؟! . بالنص ..
لم ينتظر الرد واستطرد :

-لعلمك الخروف الأسترالي أحلى خروف .. هوا شكله عبيط آه .. بس احلى لحم .. ما يغركش اللي انا فيه .. انا الزمن بس لعب بيا .. انا قعدت في استراليا سبع سنين ، وبعدين انا عندي بقى تتبيلة اتعلمتها في استراليا .. ما احكيلكش .. انت مش حتفهم في الكلام ده .. فين المدام ؟؟ .. يا مدام ..؟؟!

يسد أبي الباب بجسده ، يأبى التحرك كي لا يدخله البيت، وتختبئ أمي في "الطرقة" القريبة ولا تجيبه، لكنه لاييأس، يستطرد يشرح لأبي طريقة تتبيل فخذة الخروف، ويختم الحديث مع أبي على أن يعود مرة أخرى كي يتفق معه على تفاصيل شراء الخروف، لا يعقب أبي كثيراً يكتفي بضحكة باهتة وصمت، وحين يغلق أبي الباب وتخرج أمي من مخبأها ، تقول في ضيق:

-استراليا ايه .. هوا اللي عاش في استراليا حييجي يقعد في اودة فوق سطوح في حتة معفنة زي حتتنا دي ؟ ، ما تدهوش ودنك يا حاج .. ده راجل وسخ.

لن يعود رشيد مرة أخرى ليتفق على تفاصيل شراء الخروف، ولن يكف أبي عن إعطائه أذنه برضاً أو رغماً عنه، وستظل أمي تنعته برشيد "الوسخ" حتى يموت، فتستبدل ساعتها الوسخ بالمرحوم ، تخرق أذني بها لتفاجئني أنه مات حقاً.

عصام في الحجرة الأخرى على السطح ، يجلس وحيداً يفتح الباب لنسيم الليل ، ويعب من زجاجة الخمر وحيده بلا رفاق ... وبلا رشيد .

حين كان عصام طفلاً، كان كابوساً مرعباً لنا اطفال الشارع الآخرين، طفل مولع بالأذى بطريقة مدهشة، مبتكراً في فنونه وصنوفه ، يجيد كل أنواعه ، يفرغ أطارات السيارات ، يشعل النيران في أكوام القمامة، يقذف المارة بالحجارة، ولا يتوانى عن ضرب أحدنا لأتفه الأسباب، ويتحاشاه الكبير قبل الصغير.

رشيد فقط هو من أستطاع أن يأخذه في صفه ، بطريقة ما اقتنع عصام أن رشيد ضابط، ووعده رشيد إن كف عن افعاله هذه سيجعله جندياً معه، اتت خطة رشيد بفعل السحر على عصام، انتقل في وقت قليل من صفوف الحرامية إلى صفوف العسكر، ورشيد يمعن في تمثيل الدور عليه، حين يمر عليه في الطريق فيرمقه بنظرة جادة لا شائبة فيها، يصيح فيه " أنتباه يا عسكري " فيلقي عصام ما بيده ويقف منتبهاً يحاكي وقفة الجنود التي رآها في الأفلام، فيرمقه رشيد برضا مصطنع ثم ينصرف.

حين يكبر عصام ويصير شاباً سيأخذه رشيد معه ، لا ليصير جندياً ، لكن ليصير رفيقه في شرب الخمر في الليالي الصيفية فوق السطح، وسيستأجر عصام الغرفة الأخرى، اراقبهما أحياناً في تلك الأمسيات وحين يصيح عصام " آه يا راجل يا واطي .. وتقولي ظابط " فيضحكان عالياً ، أدرك أن نشوة السكر قد وصلت بهما مداها.

حين حكى لنا يوماً عن أصابته بالسكري، تجاهلنا ما قال عن اقوال الطبيب الذي اخبره أنه في مرحلة حرجة من المرض، وكأننا كنا نسمع منه نكتة فتاة الصيدلية، لكنه لم يشتك ولم يحزن، ظل على ضحكته العالية المجلجلة، فقط فوجئنا به يوماً يستند على كتف عصام ويدخل الشارع بقدم واحدة.

رغم السنين لازال وقع العكاز على درجات السلم يرن في أذني، وما زال ازيز الساق الصناعية الرديئة واضحاً لي ، يصيحان يا أولاد الكلب .. الرجل الذي احبكم بلا حدود، الرجل الذي ارادكم معه يمسح حزنكم ويصنع فرحكم فلفظتموه اصبح عاجزاً، ورغم السنين لم تزل صيحته المدوية حين يدركه تعب الصعود على السلم قوية ترج ابواب البيوت المغلقة التي لم تفتح له يصيحها عنيده بمَر الصبر..." آه يا زمن" ...فيرجف لها قلبي ويطول منها حزني.


لكننا أدرنا وجهنا لنداء العصا والساق، وتركناه للمرض يتلاعب به ويذيقه الويلات، فصار يغيب طويلاً وتباعدت مرات لقيانا، فقط ذكرتنا به رائحة الموت التي انبعثت من غرفته تخبرنا أنه مات، تلك الرائحة التي ظل الجيران اياماً طويلة بعد رحيله يحاولون التخلص منها، هي ذاتها التي تأتيني معه في تلك الأمسيات الحزينة، حين يعود مبتسماً ضاحكاً قائلاً لي .. " أنت يا واد مكشر كده ليه .."


موسيقى le trio joubran مقطوعة "سفر"

13 نوفمبر، 2009

حمدي - قصة

في مرات مرورنا من أمام دكانه الخاوي في الزقاق أول الشارع، كان عمر يلقي عليه السلام ، فيدير وجهه نحوه شذراً يستبين من يلقيه السلام، ثم يشيح بوجهه معرضاً غير عابئ بنا ولا بسلام عمر، انتظر خطوات نخطوها بعيداً عن دكانه الخاوي، انظر بعدها لعمر غاضباً الومه على أصراره أن يلقي عليه سلاماً يعرف جيداً أنه لن يرده، فيجيبني كما في كل مرة ببساطته المتناهية:

- معلهش .. اهو كان في يوم من الأيام برضه صاحبنا .

يأتيني الجواب بسيطاً تلقائياً طيباً ووديعاً شأن صديقي فيمنعني عن الإسترسال في غضبي، أصمت ثم نمضي نكمل حديثنا الأول متجهين نحو مقصدنا.

هو صديق طفولة قديم ، قديم ذلك القدم الذي تظن له أنكما ولدتما كأصدقاء، لا نعي كثيراً لحظة البدء، فقط وجدناه معنا في طفولتنا، يلعب الكرة، ويصحبنا إلى المدرسة ايام الشتاء و يستحم معنا في شاطئ البحر القريب صيفاً، ونقضي معاً الكثير من الصباحات الجميلة في طابور الخبز، ويشاطرنا كل تلك التفاصيل التي ستصبح فيما بعد ذكريات طفولتنا، قديما كان هو قدم اللاوعي.

رغم بنيانه القوي، وجسده الضخم إلا انه كان مثلنا في طبائعه، هادئاً ووديعا ،لم يكن شأن الكثيرين من ابناء شارعنا مولعاً بالأذى، كان من الأطفال القلائل في شارعنا الذين لا يجدون في القسوة نحو الضعفاء ما يثبتون به قوتهم، مثلنا كان ثالثنا هذا الذي لا نحكي عنه اليوم كثيراً حين نتحاكى عن ذكريات طفولتنا، فقط نحكي حكايات طفولتنا بصيغة المثنى، ونمحوه منها وكأنه لم يكن موجوداً قط

بذكريات ستستحق الحكي بعد السنين ودعنا طفولتنا، واستقبلنا مراهقة تشغلنا فيها كشأن كل المراهقين حكاياتنا التافهة،وهموم الفتاة الأولى، والامور تلك التي تتفتح عليها اعيننا المغمضة، تشغلنا الفتيات وسيرتهم ، والرغبة الجديدة التي تطغى على كل رغبة ، نصنع حكيات وهمية عن فتيات تشاغلنا، نحكي عن البنات في مثل اعمارنا اولئك اللاتي كن في أمس قريب قرينات طفولة وصديقات مقربات، فصرن محرمات علينا يجتنبننا ، يتجاهلننا في الطرقات وكأن غيرهن هن اللاتي كن يلعبن معنا "الحجلة "و" المساكة " في ثنايا الشارع.

كان للأيام أن تمر على حالها هادئة وديعة لكنها أبت ان تظل بنا وبه على حال الدعة والسكينة، وكأنما الشقاء معلماً من معالمها لا تستقيم إلا به.

أذكر جيداً ذلك اليوم الذي بدأ فيه كل شيء أو انتهى فيه كل شيء، أذكره وكأن ما حدث قد حدث صبح اليوم لا اكثر، كنا سوياً قافلين من الساحة القريبة التي نلعب بها الكرة، وكان يومها صاحب مزاج سيء، وقبل ان يصل عتبات منزله بقليل سقط فجأة بيننا وارتمى على الأرض في عنف وتصلب جسده بشدة وظل يرتجف في قوة وكأن الكهرباء قد سرت في جسده القوي الضخم، فيما يسيل الزبد من فمه، ويصدر آهات مكتومة مخيفة،وعيناه تحدق ثابتة في رعب نحو لا شيء،

ظننا ساعتها أن صديقنا في حال الموت، فصرخنا وارتعبنا، وتجمع الناس من حولناً لا يدرون ما اصابه، والبعض انحنى يلقنه الشهادة، وأمه أتت لا نعرف كيف عرفت تجري في الشارع عارية الرأس تلبس ملابس البيت، تصرخ وتبكي، والزحام اشتد وبعض الناس صار يبعد الآخرين حتى يوفروا له هواءً يستطيع أن يتنفسه ،واكتفى نفر غير قليل بالفرجة صامتين من الكلام ومن ردود الفعل، مرت دقائق قليلة كدهر علينا، والأم المسكينة المرتمية على أبنها تنادي عليه بأسمه .. " حمدي " .. " حمدي " .. وحين يأتيها الرد على هيئة آهة مكتومة ترد بالصراخ والنحيب ، وتنادي في الناس أن ينجدوها،

اتت النجدة من حمدي ذاته ، حين بدأ جسده المتشنج في الأرتخاء شيئاً فشيء، وهدت الرجفة وسكنت آهته، ثم افاق وقام بيننا ذاهلاً لا يدري ماذا حل به، ثم مضى نحو بيته متعبا معفراً بتراب الشارع يستند على كتف أمه، ينظر نحوها صامتاً ويمضيان حتى يبتلعهم مدخل منزلهم ،

كانت تلك هي المرة الأولى التي تهاجم فيها حمدي نوبة الصرع،حكت لنا أمه بعدها عن نوبات اتته في منزله، وشاهدنا نحن نوبات تهاجمه خارج بيته، يكون في الطريق سائراً، او بيننا في المدرسة، ثم تهاجمه فيجتمع الناس ، يتفرجون بفضول ويحاول البعض ان يحفظ كرامة الإنسان فيه فيحملوه جانب الطريق أو في مدخل بيت قريب ، ويبعدون الصغار الذين يتجمعون للمشاهدة، حتى يفيق فيمضي ذاهلاً حزيناً


مطرقاً الرأس مستسلماً لقضائه، كان للأمر أن يمر هادئاً، والدواء كان له أن يعيد للأمور لشيء من نصابها الأول، لكنهم الناس .. دائماً هم الناس ..

الناس نسجت من مرض صديقنا قصصاً واساطيراً يتناقلونها بينهم يتحاكونها في مجالسهم ويصدقونها، فصار صديقنا الطيب هو الشاب الذي عاقبه الله بهذا لأنه أمسك القرآن والقاه في دورة المياه، وهو الشاب الذي داس على طفل من اطفال الجان فقتله فالتبسته الجنية الأم تعاقبه ، وهو ذلك الذي ضرب أمه يوماً فدعت عليه واستجاب الله لدعائها بغضبه،

صار صاحبنا هو الولد الذي كلما سار في الشارع القاه الأطفال بالحجارة ثم جروا منه وهم ويضحكون يقولون في نداء منغم .. " المجنون أهو " .. " المجنون أهو " ، ويناديه صعاليك المقهى كي ينالوا بسخريتهم منه ظناً منهم بجنونه وحمقه، ويطرده خارجاً اصحاب الدكاكين خوفاً منه ومن الجن الذي يلتبسه،

في البدء كان يصبر ، يتجرع الأحداث بحزن واسى، ويحاول أن يجتاز الأمر، لكن الناس زادوا في أذاهم وشيئاً فشيء طفح الكيل، اصبح يرد على من يؤذيه بأذى اكثر منه ، يلقيه طفل بالحجارة فيجري خلفه لا يهدأ حتى يدركه ، فإن ادركه ضربه حتى أدمي وجهه، ويطرده بائع من دكانه فيحطم له بغضب بضاعته، ثم تمادى في الأمر فصار كل الناس اعداؤه وصار كثير الأذى حتى لأولئك الذين لم يفعلوا له شيئاً ، كان يصنع لنفسه هالة من كراهية تحميه من الناس، يساعده على هذا جسده الضخم وبناؤه القوي ،

هو صمم أن يكون شخصاً كريهاً حتى النهاية، حتى معنا نحن اصدقاء العمر ، بدون اسباب واضحة صار يتحاشانا ، يتجاهلنا ، ويواجه توددنا له بعنف مقيت، انتهى الأمر في ذلك اليوم حين اقترب منه " عمر " في الطريق ذات مرة يريد محادثته، دفعه في صدره فأسقطه على ارض الطريق، امسكت ساعتها بيد "عمر" أقيمه ثم نمضي وحدنا دون ثالثنا، وإلى الأبد. صار وحيداً للغاية ، لا صاحب له سوى كراهية الناس ومرضه ،

نسى الناس سيرة الولد الطيب وبقي حمدي الذي غضب عليه الجن وسخط عليه الله ، يخافونه ويكرهونه، وبدون أي اسباب واضحة صار يقضي يومه في الدكان الخاوي الذي ورثه عن أبيه في الزقاق الضيق أول الشارع ، لا نعرف سر ولعه هذا ولا نفكر فيه، وفي مرات مرورنا عليه تلك القليلة النادرة ، يلقي عمر سلاماً لا يرده، واجتر أنا ذكريات ثالثنا الذي كان، قبل أن القي باللوم على عمر لأنه ألقى عليه السلام.

30 أكتوبر، 2009

كان

شوارعنا السرية تلك التي خبأناها عن أعين الناس واحتفظنا بها لأنفسنا، نخليها من الناس والمارة ونجعلها ملكيتنا الخاصة نصنع منها متنفساً لأغانينا، وضحكاتنا، ولعناتنا ودعواتنا، نسكب مشاعرنا على ارصفتها في سكون ليل الشتاء، شوارعنا تلك التي تعرف الكثير عن احلامنا..وتحفظ عن ظهر قلب أسرارنا، سمعتنا نحكيها كل ليلة في تسكعنا الشارد، فحفظتها ولم تبح بها لأحد، عرفت اسماء حبيباتنا ولم تحك لآبائهن، عرفت غضبنا من الأهل ولم تخبرهم ، عرفت هزائمنا ولم تعايرنا بها ، شوارعنا السرية سألتني عنك يا صديقي ...


قلت لها سافر .. حزنت كثيراً ودعت لك بالخير لكنها طلبت مني ألا آتي إليها مرة أخرى فهي لا تطيق المتسكعين الذين يأتون فرادى يمشون وحدهم صامتين حزانى في جنباتها الهادئة، فلم أطأها منذ مضيت أنت ..


مقهانا العجوز، ذلك الذي كنا نجلس في زاويته المنسية ، لا نعرف أحداً من رواده الذين يعرفون بعضهم البعض ولا يعرفنا أحد منهم، اطلب فيه القهوة وتطلب أنت الحلبة، نصمت فيه أكثر مما نتكلم، وفي الكلمات نعيد الإستماع لحكاياتنا المعادة بنفس حماس المرات الأولى ، ونعيد سرد النكات الوقحة نضحك لها كضحكاتنا أيام ما سمعناها أول مرة ، ثم نمضي مغادرين، نسأل كيف يعرف كل الناس في هذا المقهى بعضهم البعض ، ولا يعرفنا فيه أحد ...


حين ولجت وحيداً ذلك اليوم وجدتهم جميعاً ينظرون إلي .. والمقهى سألني .. كيف هو ..


حكيت حكايات كثيرة عنك ،.. وأطلت في الحكي.. وعندما انتهيت.. قال أنت تكذب .. لم تعد تعرف الكثير .. أصمت فالصمت أولى .. ومن ساعتها لم أجلس عليه .. أو على أي مقهى آخر .


رجل أعمى طلب من أن اقوده على الطريق ، سألني عنك .. قال لي صف لي صورته كيف يبدو، خشيت أن اتكلم فأقول إن ملامحك تغادر الذهن، تتبدل شيئاً فشيء ويوماً فيوم، والصورة التي تحملها كاميرا الكمبيوتر كاذبة تأتيني بصورة رجل لا أعرفه ، مشوهة ملامحه، تتقطع الصورة تصنع بدلاً من صاحبي مسخاً باهتاً،


طلبت أن يغير الموضوع ، فقال لي يا ولدي .. هذه هي الحياة .. الذين يغادرون يحزمون حقائب أحلامهم ذكرياتهم وآمالهم ، تلك التي ظننا أننا جزءً منا، فأفقنا ذات صباح على واقع .. أن احلامهم تصير غير احلامنا ، وآمالهم وذكرياتهم لم تعد بعد شطراً من حياتنا، .. يأخذون صورهم وأصواتهم واحضانهم الدافئة في الحقيبة يدلفون من بوابة صغيرة نقف نحن نودعهم اماممها، حيث لن يعودوا مرة أخرى، تغير الحياة الأشكال ويغير تبدل الطرق النفوس، وفي العودة إن عادوا ..يعودون أناساً غير الذين سافروا...، تبدلهم الأيام ..يصيرون آخرون يهابوننا ونهابهم، وينبني بيننا وبينهم ألف سد.. يسافر صاحبك، ويعود آخر غيره يكتسي شيئاً من ملامحه، تقضيان بعض الأوقات سوياً يجبركما على ذلك عبء الوفاءً للذي سافر ولم يعد، يحاول هو فاشلاً بجدارة أن يتقمص دور صديقك القديم، فيفشل ثم يمضي مرة أخرى زائحاً عنك وعنه عبء الوفاء للذكريات..


ترك الأعمى يدي ومضى في الطريق وحده ..


شتاء الأسكندرية استيقظ من نومه بالأمس.. وسألني عنك .. غضب للغاية حين أجبته أنك غادرت .. لعنك وقال في حقك سباباً بذيئاً كثيراً ، قال إن العشرة لم تتمر فيك ...استغللت ثباته العميق وهربت منه، نسيت البرق في العاصفة ترقبه بعيداً يقترب فوق شاطئ البحر، والرعد يهز شباك غرفتك يوقظك طفلاً خائفاً ترتمي في حضن أمك، ويوقظك شاباً حزينا تستيقظ على الحلم الذي لم يكتمل .. تتدثر فيه بالدولاب كاملاً تحت طاقمك الشتوي الوحيد، تشرب الحلبة الساخنة على المقهى، وتمضي لمنزلك في الليل الساكن سكون ما قبل "النوة"، يلطخك طين الشوارع، وتحاول بائساً أن تتفادى سقوط عجلات السيارات في برك الوحل بالقرب منك، يقول لك يا "واطي " تركت هذا كله وسافرت؟؟!!


الشوارع السرية ، وفتيات الفتارين ، ومقهانا العجوز، والرجل الأعمى ، وشتاء الأسكندرية ، سألوني عنك فقلت لهم إنك بخير ..لكنك سافرت


27 أكتوبر، 2009

دور عاشر




وجدتها عند باب المصعد تنتظر، فانتحيت جانباً أعطيها فرصة الصعود وحيدة، على ان أستقله بعدها، وتسليت قليلاً بإختلاس نظرات متلصصة لها،


كانت شابة جميلة و صغيرة السن، ترتدي ملابس سوداء ضيقة بعض الشيء، وتضغ غطاء رأس وردي بنقوش بسيطة وعلى خصرها ربطت شريطاً جلدياً له لون غطاء رأسها،اعجبني مظهرها البسيط المتناسق، واعجبني ما استطعت أن اختلس من ملامحها،


اثناء انتظاري اقتربت ابنة الحارس الصغيرة مني ، نظرت نحوي وقالت بلهجة حاسمة وهي تتمايل بجسدها في لهو طفولي :-


ما تطلعش مع بنات .. إنت راجل أطلع لوحدك.


أحسست بالحرج بعض الشيء من كلماتها، التي جاءت وكأنها عرفت ذلك الخاطر الدائر في رأسي أن اكسر عادتي الأسيرة وأن أستقل المصعد مع الفتاة كي أتعرف عليها ، فهززت لها رأسي مبتسماً دون أن اجيبها، ولمحت الفتاة تبتسم ايضاً، وحين وصل المصعد اخيراً فوجئت بالفتاة المنتظرة تفتح بابه و تناديني .. "أتفضل" ..هززت رأسي بالرفض مبتسماً، وطلبت منها أن تصعد ، لكنها أصرت في إلحاحها، فوافقت مصطنعاً الإضطرار تحت ضغط الحاحها، فيما كان قلبي يتراقص بهجة بفرصة القرب هذه،


اصبحنا في المصعد معاً وشددت بابه كي نصعد لكنني وجدت احدهم يشده من الخارج ،استغربت !! فخرجت استطلع الأمر فوجدتها أبنة الحارس متعلقة بباب المصعد تشده نحو الخارج وهي تقول:


-" مش قلتلك ما تطلعش مع بنات .. إطلع لوحدك ..أنت راجل"


أحسست بالغيظ، وخاطبتها بلهجة بين اللين والشدة أن تترك الباب .. لكنها ظلت تنظر نحوي في تحدِ وهي صامتة، واحسست بالحيرة فيما علي أن افعله، فكرت أن اضربها او أن احتد في القول معها لكنني خفت من أن أظهر بمظهر القاسي العنيف أمام الفتاة في أول لقاء بيننا ، لكنني في الوقت نفسه خفت أن اظهر بمظهر ضعيف الشخصية الخائب، وأحسست بأرتباك كبير وحيرة، لكن الفتاة أنقذتني حين خرجت من المصعد ووقفت بجواري وابتسمت لها وقالت :


-"عيب كده يا فاطمة .. انا كده حزعل منك .. سيبي عمو يطلع معايا.. "


فاستجابت لها البنت ببساطة ومضت بعيداً تتقافز وتلهو كأن شيئاً لم يحدث، ونظرت الفتاة نحوي ضاحكة وقالت :


-معلش بنت شقية شوية فأبتسمت لها أمتناناً ، وعدنا إلى المصعد مرة أخرى، سألتها عن الدور الذي تقصده فأجابتني أنه الخامس، سألتها إن كانت من السكان فأجابت نعم فقلت أنا أسكن هنا في الدور العاشر منذ عام او اكثر لكنني لا اعرف أحداً تقريباً، وردت أنها بالفعل هي المرة الأولى التي تراني فيها، وشعرت بسعادة من هذا الحديث القصير الذي اعطاني فرصة أن اتطلع اكثر إلى وجهها وملامحها الجميلة وأن استمتع بالنظر لها، وراودني ما يشبه الأحلام،حتى وصل المصعد للدور الخامس ففتحت الباب، وخرجت ثم التفتت نحوي باسمة وقالت :


-" مع السلامة يا عمو "


..عمو..!!!...


أتت الكلمة صادمة لكنني رددت "العفو" وحييتها إبتسامة صفراء، تلاشت بسرعة عندما اغلقت باب المصعد، وأستدرت للمرآة على جداره، وقربت وجهي اتفحص ملامحي، ابحث عن علامات مضي العمر، وافعال الزمان ، استكشفها ويزداد حزني وتكبر خيبتي، فيما يتخذ المصعد طريقه صاعداً نحو الدور العاشر.

17 أكتوبر، 2009

كبرعم لمسته الريح .. فأنفتح




هل كنت تدرك منذ البدء و تواطأت مع الأمر كأنك كنت تريده.. ؟؟!!!


الرائحة التي تسربت اليك من جارك الجالس بجوارك في مقهى "الأنترنت" تلك التي تشبه رائحة العشب المحترق وشت لك أن شيئاً غير التبغ يحترق داخل تلك السيجارة، لكنك تجاهلت شكوكك، قلت لنفسك إنه الشك داؤك القديم ، وتعللت بجهلك، وتناسيت الأمر .. أو تواطأت معه ..لا تدري !!..لكنك جلست تستمع مراراً للأغنية التي تسمعها للمرة الأولى وتشعر بها تنساب داخلك ...


الدخان كان كثيفاً وأنت تؤذيك رائحة الدخان .. لكنك تركته .. لم تطلب منه أن يطفئ السيجارة ذات الرائحة الثقيلة .. فرغ منها ... اخرج العلبة من جيبه.. نظرت نحوه بنصف عين.. ألتقط أخرى من العلبة... حاولت أن تدقق النظر فيها .. مشهدها بين اصابعه أوحى لك أنها ممتلئة اكثر مما يجب.. لاحظ هو نظراتك فأدار وجهه إليك ثم عاد لسيجارته يشعلها بغير أكتراث، ويطيل النظر في الشاشة أمامه ويتجاهلك تماماً وكأنك لم تكن موجوداً.. ساورك الشك أكثر .. لكنك لم تكن متيقناً ..ولم تدر ما عليك فعله فتجاهلت الأمر ...أو ربما استسلمت له...وأعدت سماع الأغنية لمرة تجاوزت العاشرة.. فيما غامت الصورة امامك قليلاً ..وأحسست بالسكون المريح يسري في اوصالك وسط غمامة الدخان حولكما ..


اكتفيت .. ظللت نحو ساعتين تنهل من رائحة الدخان و تكرر سماع تلك الأغنية حتى انتشيت منها تماما.. قمت من مقعدك متجهاً إلى صاحب المقهى تريد أن تدفع حسابك.. استيقنت أن الأمر لم يكن بريئاً حين أحسست أن فعلا أعتيادياً للغاية بدا صعباً وعسيراً .. اردت ان ترفع قدمك وتنقلها خطوة للأمام .. شعرت ان عليك ان تبذل جهداً خارقاً لفعل هذا .. أحسست وكانك تتعلم السير من جديد ، خطوت الخطوات بصعوبة ومشقة، كانت قدمك ثقيلة جداً، وخيل لك للحظة أنهم استبدلوا قدمك بقدم فيل .. راقتك فكرة قدم الفيل.. أحسست أنها تصلح أن تكون قصتك القادمة .. الرجل الذي استبدلوا قدمه بقدم فيل ..وشعرت بسعادة من فكرتك الجديدة وابتسمت ابتسامة رضا...


وصلت عند صاحب المقهى .. سألته عن الحساب .. قال لك دون أن ينظر إلى وجهك .. "اربعة جنيه" ..اخرجت المال من جيبك فسقطت منك ورقة بعشر جنيهات على الأرض .. لم تدرك لم ضحكت وقتها .. لكن الجنيهات العشر التي سقطت منك على الأرض جعلتك تضحك كثيرا ... وبدا لك الموقف كوميدياً ومضحكاً ..


لا تذكر هل انحنيت تلتقط الجنيهات العشرة أم تركتها وانصرفت .. لكنك خرجت من المقهى تريد المنزل .. فوجدت نفسك على شاطئ البحر القريب .. كان الفجر وشيكاً ..والطريق خاوياً .. ولسعة برد الشتاء سرت .. وانت وحدك على بساط الرمل....تتذكرها وتتمنى لو كانت معك كي تحادثها طويلاً وتحكي لها...لم يكن في رأسك شيء محدد كي تحكيه.. فقط أردت أن تحاكيها فقط أردت سكينة وجودها ... فأتتك تمشي بنفس خطوتها المتمهلة ..ترسم ابتسامتها الواثقة وتنظر نحوك بعينيها الحالمتين..حكيت لها اموراً كثيرة لا تذكر منها شيئاً الآن.. لكنك تذكر أنك القيت عليها نكتة أعجبتها ... وكعادتها استمعت لك مبتسمة حتى النهاية دون أن تقاطعك ..ثم انصرفت دون أن تنطق كلمة واحدة.... ووقفت على رمال الشاطئ وحيداً تلوح بيدك مودعاً شبحها.. لمت نفسك بعد اختفائها، لأنك كعادتك ثرثرت معها كثيراً ولم تترك لها مجالاً للحديث....


استشعرت أن الأمر غريباً بعض الشيء ؟؟!! سألت نفسك هل كانت هنا حقاً ؟؟ أم خيل لك وجودها ؟؟.. لم تمتلك جواباً لحظتها لسؤالك... لكنك تذكرت أن أموراً حدثت فرقت بينكما حيث لن تلتقيا.. أحترت أكثر!! أعدت السؤال على نفسك ... هل كانت هنا حقاً أم كان هذا حلماً ؟؟؟ .. لم تحصل على أجابة، لكنك وجدت دموعك تسيل دون أن تعرف سبباً محدداً لهذا ..فنظرت نحو البحر وأخذت تغني بأعلى ما تمتلك من صوت .. تلك الأغنية التي كنت تسمعها..

يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحاً ..

كعاشق خط سطراً في الهوا ومحا ..

كبرعم لمسته الريح فأنفتح ..


الشيخ زين محمود - يبكي ويضحك - أغنية فيلم باب الشمس

11 أكتوبر، 2009

أثر

لكل فتاة أحببتها يوماً شيء من رائحتها احفظه في درج مكتبي..

واحدة أخذت منها ورقة خطت فيها خطوطاً غير مفهومة في لحظة شرود، وأخرى أهدتني منديلاً طـَبـَعت عليه رسم شفتاها بأحمر الشفاة ، وثالثة احتَفَظتُ بقطعة حلوى أعطتني إياها مرة..

منذ زمن ابحث عن ساحرة متمكنة تجيد فنون السحر .. ساحرة بلا قلب .. لاتعرف خوفاً أو رحمة، وقادرة على مضاجعة ملوك الجان كل مساء .. .. أبحث عنها بحثاً حثيثاً ... أطوف الشوارع والطرقات .. اجوب المدن والبلاد .. اعبر البحار والصحاري من بلد لبلد .. باحثاً عنها اسأل عنها من ألقاه في طريقي .. هل تعرف ساحرة جيدة ؟؟!!

يوماً ما سأجد الساحرة .. قلبي المسكين ينبئني بهذا .. حينها .. سآتيها بآثر الحبيبات .. وأطلب منها أن تأتيني بهن مسحورات...

سأطلب أن تأتيني بالتي تركتني وأحبت غيري على هيئة حرباة تتلون كل مرة بلون جديد ، والأخرى التي كان حبها شهوة تبثها مستعرة في الجسد سأطلبها قرداً يكسوا الأحمر موضعاً فيه غير الشفاة، والثالثة .. سأطلب أن تأتيني على هيئة ملاك مجنح أخرس لا يقوى على نطق أو كلام،

سأتسلى بتلون الحرباة .. وهز القرد لمؤخرته .. وأطيل النظر مسروراً إلى الملاك الصامت الواقع في حيرته.. وحين يتسرب الملل إلى نفسي .. وارضي شعور الإنتقام في داخلي .. سأتخلى عنهن ...

سأطوف بهن على الناس .. سأذهب بهن إلى الأسواق .. واقف بهن أمام المساجد بعد صلوات الجمع .. منادياً ... من يقايض حرباة ، وقرداً وملاكاً أخرس بقلب لا يعرف معنى للحب ، قلب يستيقظ كل صباح بلا احزان ولا اوجاع،... قلب طفل لا يعرف من النساء سوى أمه، قلب لا توجعه كثيراً طعنات الخناجرولا تلهبه النيران ولا تخيفه النوازل..

قلب يشتهي أمرأة بالليل وينساها بالصباح .. ويشتهي أمرأة بالصباح وينساها بالليل .. قلب تحيطه كرات الدم البيضاء .. تصطاد ذرات الحب اللئيمة السابحة قبل أن تمرضه، قلب لا يترجم العشاق الحائرون نغم نبضاته إلى اللحن الأشهر... أحبك .. أحبك .. أحبك،

ساعتها سأعرف راحة ونعيماً لم يعرفهما أحد من السابقين ..

فهل يعرف أحد منكم ساحرة جيدة ؟؟



06 أكتوبر، 2009

أنا الذي ..


· أنا الواد اللي فاضله كتابين ويبقى كمل كل الكتب بتاعة الراجل اياه اللي بتحبي كتبه ، واللي قرب خلاص يكمل حفظ القصيدة اياها اللي بتحبيها .. علشان يقولهالك كل طلعة شمس ... ما اعتقدش إن فيه كتير على وجه الأرض عندهم إمكانياتي دي، انا عملت نفسي بنفسي ..راجل عصامي .. بدأت من الصفر.. ودلوقتي كملت المكتبة كلها ..

·انا واد معترف بإن بينا إختلافات جوهرية.. انتي بتحبي منظر الغروب عند القلعة ، وانا بحب منظر الشروق من فوق كوبري ستانلي .. بتحبي حفلات الجيزويت .. وانا بحب حفلات المكتبة لكن حنحلها .. حنقسم الأسبوع تلات تيام شروق من عند الكوبري وتلات تيام غروب من عند القلعة، واليوم السابع نخليه اسبوع في الجيزويت واسبوع في المكتبة، .. مرضية كده ؟؟!!


·أنا الواد اللي حيسمع معاكي فيروز ومحمد منير وهدى حداد ... ولما تقوليله انا عايزه اسمع شريط جنات الجديد .. برضه حيقعد يسمع معاكي ويقول في سره ما كان الواحد بطوله .. مش كان أحسن،

·انا واد بتاع خيالات من زمان .. كنت كل ما احس إني عايز احب كنت ارسم صورة لبنت حلوة في خيالي واحب فيها وبعدين انساها .. وبعديها احلم ببنت تانية غيرها وافكر فيها .. إيه ذنبي انا بقى لما لقيت فيكي حتة من كل بنت حلمت بيها .. بنت كان ليها لونك .... و بنت تانية كان ليها نفس عنيكي . .ووواحدة كان ليها طريقة كلامك .. وبنت كانت بتضحك زيك .. وبنت تانية كانت بتنكسف زيك .. وبنت كانت بتفكر زيك .. كلهم كلهم بقوا واحدة هي انتي ... طلعتيلي منين انتي يا بنت انتي .. يا بنت انتي !! ؟؟؟.. تكونيش الجنية بتاع البحر ؟؟!! .. آه منكم يا عرايس البحر ..


·انا الواد اللي قلتيله البنت لو شافت قدامها واد كويس .. بتحارب الدنيا علشانه .. ومع كده شافك بترمي البندقية بعد اول ضربة نار .. وكان فاضل لك شوية انك تنشني على دماغه بيها وتضربي ، لكن مع كده ما استسلمش ، لسه باقي عليكي وبيناديكي ما تبقيش خيخة .. إحنا لسه في اول المعركة، ولو اتجدعنتي معاه حيجيبلك دبابة تحاربي بيها ..



· أنا الواد اللي علشانك يمشيها بلاد من غير ولا مية ولا زاد .. انا الواد اللي بيحسد الكحل اللي كحل عنيكي .. انا الواد اللي من حبك مش بريء .. وفي حبك مش جريء .. انا الواد اللي عيونك لما بتتلفت انا بتفتفت .. ما الحقش احتار .. انا الواد اللي بيعشق البحر علشان زيك سهتان .. وساعات زيك غلبان .. وساعات زيك بيودي في داهية ولا هو دريان .. وانتي بقى .. البنت الشلبية اللي عيونا ندية ...


·انا الواد اللي دلوقتي حاسس بمجنون ليلى وصعبان عليه اوي .. الله يرحمه اتبهدل كتير الجدع ده .. منك لله يا يا ليلى بهدلتي دا الجدع معاكي ..

·أنا الواد اللي مش حييجي في العمر غير مرة واحدة بس .. القطر اللي ما بيقفش في المحطة غير مرة واحدة بس ، ولو مشى ما بيرجعش .. ولو جرج .. ما يقومش .. وعارف كويس إنك انتي البنت اللي مش حتيجي في حياته غير مرة واحدة بس ، .. أنا مش واد عابر سبيل .. انا طالب تديله جنسيتك .. عارف إن الطريق صعب .. لكن ايه في الحياة مش صعب .. إيه في الحياة ما بيجيش بالمعافرة والزق ؟؟.. حبة صبر .. حبة حماس ... يبقى الحلم صورة وصوت .. زقة لجل النبي يا جدعان..

·أنا الواد اللي بيقولك زي ما منير بيقول .. مدي إيدك .. آدي إيدي ده الطريق زحام ..خلي قلبك ويا قلبي يرسم الأحلام .. مدي إيدك يا حبيبتي دا الحنين ما لوهش يد ..





01 أكتوبر، 2009

رجعت الشتوية

1

اتى الشتاء ..

فعمر الصدر بالأحزان والذكريات والأشواق في موسم هياجها ..

2


كان شتاء .. وعلى الرصيف أمام شاطئ البحر تحت مظلة حجرية تحمينا من رذاذ الأمطار اتكأنا على السور الحديدي ونظرنا صامتين نحو الأفق الغائم الحزين ، توقف هطول الأمطار وظهر قوس قزح من بعيد ، فاقتربت مني حتى احسست بملمس جسدها الدافيء في جانبي، واحاطت يدها بي واشارت بالأخرى نحو القوس الملون وقالت لي في سعادة طفولية " أنظر"...
فنظرت مستمتعاً بمشهد القوس يتكون وسعيداً بالجسد المتواطئ ذلك الذي يشع دفئه في جسدي الملتحم به،

مضى الشتاء واتى شتاء آخر .. لا تشاركني فيه مراقبة الأفق ومشاهدة الوان قوس قزح .. ومثل العاهرة تسقي كأس الحب كل ليلة لرجل جديد .. كانت هذا الشتاء تشير نحو قوس قزح لرجل آخر وتمتعه بحرارة جسدها التي لا تنضب،

3

كان شتاء ..وهو جلس معي نرقب موج البحر الهادر ونسترق السمع لأغنيات فيروز المنبعثة من لدى البائع القريب، ونتناوبنا تدخين السيجارة الأخيرة وتبادل الحكايات الحزينة ، يحكي حكاية من عنده واكمل بحكاية من عندي وتصير الحكايا في النهاية وكأنها حكاية واحدة طويلة حزينة ثم فرغنا من تدخين السيجارة والحكي .. وصمتنا ولما طال الصمت نظر نحوي وقال لا تقلق..غداً تصبح الدنيا اسعد وتأتينا احلامنا راكعة.. ثم هطل المطر بغزارة وبرق البرق يتبعه هزيم الرعد قوياً مخيفاً فمضينا سريعاً كل إلى منزله ..

مضى الشتاء واتى شتاء جديد.. فلا الدنيا صارت اسعد ، ولا الأحلام أتت، لكنه ذهب .. ذهب بعيداً .. حيث لن يجمعنا شتاء آخر سوياً ، وبقيت انا ادخن سيجارتي وحيداً ولا احكي لأحد حكاياتي الحزينة ،

4

كان شتاء .... وامي اعطتني نصف جنيه وقالت لي هذا مصروف الأسبوع، والدنيا امطرت مطراً كثيراً فلم ننزل إلى حوش المدرسة في الفسحة وقضينا وقتها بالفصل ، وصعدت البائعة إلى فصلنا تحمل حلوى السمسمية الطويلة تبيع الواحدة بخمسة قروش، فاشتريت عشرة ووزعتها على من حولي من اقران الطفولة، وضمنت صداقتهم بعدها طوال الأسبوع، لكن أمي في آخر الأسبوع سألتني عما فعلت بالنصف جنيه فحكيت لها .. فنهرتني ولامتني .. فلم اشتري بعدها حلوى لأحد .. ولم يبق لي بعدها اصدقاء،


02 سبتمبر، 2009

شربات


حماقات الحب بدت عندي منذ زمن ليس بالقريب، اقول لنفسي هذا وابتسم كلما مررت على ناصية شارعنا ،

كانت شقراء مليحة، وسمرة من طول بقاء في شمس الطريق اكسبت الملامح جمالاً شرقياً فوق الجمال، ولعيونها الخضراء جفون ذات رموش جميلة، وقسمات متناسقة بديعة، و بجلبابها الوحيد المتسخ، وبأقدام حافية، كانت تقترب من الناس المنتظرين في موقف السيارات القريب، وتبتسم لك ابتسامة مدربة لم تخلو من براءة ، تلقي كلماتها على مسامعك :

- ممكن تديني ربع جنيه ؟؟ ..

تصمت قليلاً لتمنحك فرصة للتفكير .. ثم تستطرد لتقطع عليك ترددك :

- ربع جنيه مش حيفرق معاك كتير .. بس حيخليني اجيب اكل ... ربنا يخليلكم عيالكم .. مش حيفرق معاك كتير الربع جنيه،

كانت تلقائية وبسيطة، تتلعثم احياناً بين كلماتها، وفي طيبتها وبساطتها كانت تغري البعض بالمداعبة بردود مرحة بريئة، وتغري آخرين بالمضايقة فتهرب بطول بال وصبر الذي لا يملك حيلة ولا ردأً، وعيناها الخضراوتان في كل مرة تضفيان بنظرتهما الطيبة على المشهد براءة وصفاء متناه،

لم نعرف لها اباً او اماً ، ولا نعرف كيف جاءت ومتى تحديداً ظهرت، فقط نعرف انها موجودة، تقضي نهارها بين السيارات، وليلها على الرصيف في اول الشارع او المسجد الصغير القريب ، وتعتزل الأطفال المشردين الآخرين تماماً،
صغيراً كنت ايامها .. تصحبني أمي معها في اجازة الصيف إلى عملها، فنلقاها كل صباح ، تقترب من امي التي تعرفها جيداً من سابق عطاء امي لها ، فتبتسم دون كلام، وتلتصق بأمي تتمسح بها كما تفعل قطة صغيرة و كأنما تلتمس حناناً ودفءً بخل به الزمان عليها، فتبتسم امي وتربت على ظهرها ، وتعطيها شيئاً من نقود، فتنظر نحوي ونحوها وتبتسم وتمضي دون كلام،

في انتظارنا اكتمال الركاب بالحافلة، بجوار امي اجلس، اتابعها تطوف بين السيارات، وكما ينبغي لأحمق صغير تدفعني العيون الخضراء والملامح الجميلة كي ابني احلامي الحمقاء،
"سأكبر يوما .. يوما ما سأكبر ..
وستكبر هي ..
ستكف يوماً عن التسول ..
حتماً ستعمل في مهنة أخرى ..
وستتعلم ..
ليست هي من صنع هذا ..
وليس هذا ذنبها ...
وأنا سأصير شاباً كبيراً وأحبها ..
وسنتزوج .. "

وتلحظ هي تعلق نظري بها فتبادلني إبتسامة خاطفة ثم تمضي، وامضي انا في غزل احلام ساذجات وانتشي بها .. حتى يكتمل الركاب وتمضي الحافلة إلى طريقها، فأنساها بقية يومي إلى ان يأتي الغد ، فبسمة جديدة وحماقات صغيرة جديدة،

لا نعرف متى حقاً ينتهي حب الطفولة هذا، لكنه وكما في جمال براءته وسذاجته في انتهائه جمال نسيانه، حيث لا ألم لا لوعة ، ولا احزان .. وحين نذكره لا نلعن الدنيا ، لا نغضب، ولا تسيل دموعنا، فقط نبتسم ونضحك من اعماقنا،

هكذا انتهى حبي "لشربات" لا أعرف كيف انتهى ... لكنه انتهى .. اتذكره فقط حين امر عليها عند ناصية الشارع حيث تقف اليوم خلف عربتها الخشبية ذات الواجهة الزجاجية تبيع الشاي لسائقي موقف السيارات القريب كنشاط علني، ويتحاكى الناس عن انشطة اخرى ترتزق منها سراً،

وكلما مررت عليها فالتقت عينانا كانت تبتسم لي، فأشيح بوجهي متجاهلاً، باعداً بنفسي عن دائرة الشبهات والظنون،لكنها رغم ذلك كانت تصر ان تبتسم لي كل مرة، ..ربما ظناً منها انني نسيتها فتحاول تذكيري بها ، وربما تفهماً منها لأفعال الزمان التي جعلت كلاً منا في الناحية الأخرى حيث لن نلتقي ابدا، وحيث عليها ان تبتسم وعلي أن اشيح بوجهي وامضي،... وربما لم تكن تبتسم لي أصلاً.. ولكنها حماقاتي التي تصحبني منذ زمن ليس بالقريب.

28 أغسطس، 2009

امور مختلفة

في "بياصة كرموز" لمحت على مقربة "الشيخ حسني" يسير متخبطاً وسط الزحام يتعثر في خطواته، فأقتربت اريد المساعدة، لكنني قبل أن ادركه كان قد انتبه على صوت فتاتين تسيران بمحاذاته، فصاح فيهما :
- خدي بإيدي يا بنتي ...إنتي يا عروسة ..خدي بإيد عمك الأعمى،

فوقفتا في حيرة واستحياء، يريدان المساعدة لكن حياؤهما يمنعهن أن يمسكن بيد الرجل ويسرن به، فحللت أنا الأمر حين وصلت فاشرت بإماءة من رأسي أن اتركاه لي، فابتسمتا شاكرتين وانصرفتا، فأمسكت يده وتأبطت ذراعه اسحبه على مهل، فتهلل وجهه وظهرت عليه ملامح السرور والرضا وقال :
- الله يسعدك يا عروسة ويوقف لك ولاد الحلال .. قولي لي بقى إنتي متجوزة ولا لسه نصيبك ما جالكيش ؟؟!!

فتنحنحت بصوت خافت فأنتبه وهز رأسه في حيرة يحاول إستيعاب الأمر، وحين فاجأه صوتي الذكوري يسأل " اوصلك لفين يا عم الشيخ ؟؟ " ذعر وتلفت بوجهه نحوي وكأنما ينظر لي وصاح غاضباً :

- الله ؟؟ مين انت ؟؟.. حد طلب منك مساعدة يا اخينا انت .. أما عالم غريبة صحيح .. مش رايح في زفت حتة ، اوعى كده،

وخلص ساعده مني ودفع يدي بعيدا عنه ، ومضى سريع الخطى غاضباً وهو يصيح :

- أما ناس غريبة والله .. ناس غريبة،

فبقيت مكاني أضحك و اشاهده يمرق بسرعة وسط الزحام والمارة يفسحون الطريق لعصاه الغاضبة وهو يضرب بها على الأرض ذات اليمين وذات اليسار